
عندما تسكرنا الوسيلة
سبتمبر 20, 2007كثر الحديث منذ القدم عن الغايات والوسائل وفلسفة الفرق بينهما والجدل عن هل الغايات تبرر الوسائل أو هل يمكن أن تكون الغاية وسيلة أو العكس إلخ . . . إلخ . . . ولكن الذي لم يختلف عليه الناس أن الوسيلة مهما عظمت تبقى وسيلة تم اتخاذها لغاية أعظم ، والحقيقة أن لدي أفكارا كثيرة تدور في بالي حول هذا الموضوع ، والمشكلة أني من أصحاب الأقلام الجافة التي لا تكتب إلا نادرا وإذا كتبت يجف قلمي بعد عدد قليل من السطور.
تسبح في فضاءنا هذه الأيام مصطلحات يسمعها المرء في كل مكان وسط ضجيج هائل تحدثه هذه المصطلحات أو يحدثه أصحابها ومن يتفاعل معهم أو حولهم أو بعيدا عنهم أو ضدهم . . إصلاح . . مدونات . . ساحات . . بيانات . . اعتصامات . . كتابات . . حوارات . . هتافات . .اتهامات . . شعارات . . جهود . . أوقات . . حياة . . . نعم حياة . . حياة تبذل في سبيل أهداف قد تتعدد وتتنوع بتنوع الأشخاص . وبذل الحياة لايعني بالضرورة الموت ولكنه قد يعني أحيانا السجن ، وقد يعني أحيانا التضييق ، وقد يعني أحيانا تضييع الدراسة ، وقد يعني أحيانا التقصير في حق الأهل ، وقد يعني أحيانا التقصير في حق النفس ، وقد يعني أحيانان أن تجلس حتى تقارب العقد الثالث أو الرابع من العمر وأنت عاطل أو شبه عاطل عن العمل . وتتلذذ بهذا الوضع وتلهيك نشوته عن الهدف والغاية الرئيسية التي من أجلها حبست نفسك في هذه الحالة . إن إصلاح المجتمع وحمل همه لايعني إفساد النفس وإهمالها ، ولايتصور أن يقود الإصلاح ويدعو إليه فاشلون وفق المقاييس التي يتفق عليها جميع الناس . والذي أخشاه أن شعارات الشجاعة وعنتريات التحدي قد أسكرت البعض عن الهدف والشعار الذي رفعوه وهو شعار جميل يتفق عليه كل الناس فمن منا لايحب ( الإصلاح ) ، ولكن هذا الشعار لايعني بالضرورة البطالة ولا يعني بالضرورة الفوضوية والتحدي ولا يعني بالضرورة السب والاتهامات ولا يعني بالضرورة تمني وجلب الأذى للنفس والغير فقط بهدف جمع مادة دسمة لكتاب يحمل عنوان ( مذكراتي في سجن كذا ) أو ( كفاحي من أجل كذا) أو (سنوات من حياتي) أو غير ذلك من العناوين الرنانة التي تشابه عناوين كتب قديمة سطرت تجارب أناس ضحوا وعانو في سبيل قضاياهم . ولكن ذلك لايعني أن نتمنى أن نمر بما مرو به !!
إن الحكمة والعقل أمران ضروريان يجب أن نحكمهما في جميع أمور حياتنا ، ولكنهما يفسران دائما بأنهما جبن وخور من قبل أصحاب مذهب “إن لم تكن معنا فأنت ضدنا” فإذا لم تكن من “الإصلاحيين” فأنت من “الانبطاحيين” بلا ريب . ولا جدوى من المحاولة في إقناع البعض أو نصحه إلا بعد التأكد من أنه قد أفاق من سكرة الوسيلة التي سيطرت عليه وحلت محل الغاية التي سعى من أجلها .
يبدو أن قلمي قد جف ولكن هذا هو الأمر الجميل في المدونات أنك تكتب دون تحفظ ودون تكلف فكلمات مبعثرة تؤدي الغرض . . .


